علي بن محمد البغدادي الماوردي
280
أدب الدنيا والدين
فدام لي ولهم ما بي وما بهم * ومات أكثرنا غيظا بما يجد وربما كان الحسد منبها على فضل المحسود ونقص الحسود كما قال أبو تمام الطائي : وإذا أراد اللّه نشر فضيلة * طويت أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت * ما كان يعرف طيب عرف « 1 » العود لولا التخوّف للعواقب لم يزل * للحاسد النعمى على المحسود فأما ما يستعمله من كان غالبا عليه الحسد وكان طبعه إليه مائلا لينتفي عنه ويكفاه ويسلم من ضرره وعدواه فأمور هي له حسم إن صادفها عزم . فمنها اتباع الدّين في اجتنابه والرجوع إلى اللّه عز وجل في آدابه فيقهر نفسه على مذموم خلقها وينقلها عن لئيم طبعها وإن كان نقل الطباع عسرا لكن بالرياضة والتدريج يسهل منها ما استصعب ويحبب منها ما أتعب وإن تقدّم قول القائل من ربه خلقه كيف يخلى خلقه غير أنه إذا عانى تهذيب نفسه تظاهر بالتخلق دون الخلق ثم بالعبادة يصير كالخلق . وقال أبو تمام الطائي : فلم أجد الأخلاق إلّا تخلقا * ولم أجد الإفضال إلّا تفضلا ومنها العقل الذي يستقبح به من نتائج الحسد ما لا يرضيه ويستنكف من هجنة مساويه فيذلل نفسه أنفة ويطهرها حمية فتذعن لرشدها وتجيب إلى صلاحها . وهذا إنما يصح لذي النفس الأبية والهمة العلية وإن كان ذو الهمة يجل عن دناءة الحسد . وقد قال الشاعر : أبيّ له نفسان : نفس زكية * ونفس إذا ما خافت الظلم تشمس « 2 » ومنها أن يستدفع ضرره ويتوفى أثره ويعلم أن مكانته في نفسه أبلغ ومن الحسد أبعد فيستعمل الحزم في دفع ما كدّه وأكمده ليكون أطيب نفسا وأهنأ عيشا . وقد قيل : العجب لغفلة الحساد عن سلامة الأجساد . وقد قال الشاعر :
--> ( 1 ) عرف العود : العرف بالفتح : الرائحة الطيبة . ( 2 ) تشمس : بضم الميم أي تبدي عداوتها لمن يخاف ظلمه .